القرطبي
3
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
في كفره أيضا . فأما من أخبر عن كسوف الشمس والقمر فقد قال علماؤنا : يؤدب ولا يسجن . أما عدم تكفيره فلأن جماعة قالوا : إنه أمر يدرك بالحساب وتقدير المنازل حسب ما أخبر الله عنه من قوله : " والقمر قدرناه ( 1 ) منازل " . وأما أدبهم فلأنهم يدخلون الشك على العامة ، إذ لا يدركون الفرق بين هذا وغيره ، فيشوشون عقائدهم ويتركون قواعدهم في اليقين فأدبوا حتى يسروا ( 2 ) ذلك إذا عرفوه ولا يعلنوا به . قلت : ومن هذا الباب ( أيضا ) ( 3 ) ما جاء في صحيح مسلم عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى عليه وسلم قال : " من أتى عرافا ( فسأله عن ( 4 ) شئ ) لم تقبل له صلاة أربعين ليلة " . والعراف هو الحازر والمنجم الذي يدعي علم الغيب . وهي من العرافة وصاحبها عراف ، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها . وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك بالزجر والطرق والنجوم ، وأسباب معتادة في ذلك . وهذا الفن هو العيافة ( بالياء ) . وكما ينطلق عليها اسم الكهانة ، قاله القاضي عياض . والكهانة : ادعاء علم الغيب . قال أبو عمر بن عبد البر في ( كتاب ) ( 3 ) ( الكافي ) : من المكاسب المجتمع على تحريمها الربا ومهور البغايا والسحت والرشا وأخذ الأجرة على النياحة والغناء ، وعلى الكهانة وادعاء الغيب وأخبار السماء ، وعلى الزمر واللعب والباطل كله . قال علماؤنا : وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان بإتيان المنجمين ، والكهان لا سيما بالديار المصرية ، فقد شاع في رؤسائهم وأتباعهم وأمرائهم اتخاذ المنجمين ، بل ولقد انخدع كثير من المنتسبين للفقه والدين فجاءوا إلى هؤلاء الكهنة والعرافين فبهرجوا عليهم بالمحال ، واستخرجوا منهم الأموال فحصلوا من أقوالهم على السراب ( 5 ) والآل ، ومن أديانهم على الفساد والضلال . وكل ذلك من الكبائر ، لقول عليه السلام : " لم تقبل لصلاة أربعين ليلة " . فكيف بمن اتخذهم وأنفق عليهم معتمدا على أقوالهم . روى مسلم ( رحمه ( 3 ) الله ) عن عائشة ( رضي ( 3 ) الله عنها ) قالت : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أناس عن الكهان فقال : " إنهم ليسوا بشئ ) ( 6 ) " فقالوا :
--> ( 1 ) راجع ج 15 ص 29 ( 2 ) في اوز : يستروا . ( 3 ) من ج وك وز . ( 4 ) زيادة عن صحيح مسلم . ( 5 ) السراب : الذي يكون نصف النهار لاطئا بالأرض لاصقا بها كأنه ماء جار . والآل : الذي يكون بالضحى كالماء بين السماء والأرض يرفع الشخوص ويزهاها . ( 6 ) التصحيح من ز .